ابن أبي الحديد
46
شرح نهج البلاغة
ولكن لا تحدث فيما بعد بكل ما رأيت من الغرائب ، فليس كل وقت يتهيأ لك إرسال الحمام . وكان يقال : الناس يكتبون أحسن ما يسمعون ، ويحفظون أحسن ما يكتبون ، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون ، والأصدق نوع تحت جنس الأحسن . ومنها قوله : " ولا ترد على الناس كل ما حدثوك ، فكفى بذلك جهلا " ، من الجهل المبادرة بإنكار ما يسمعه ، وقال ابن سينا في آخر " الإشارات " إياك أن يكون تكيسك وتبرؤك من العامة ، هو أن تنبري منكرا لكل شئ ، فلذلك عجز وطيش ، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينة ، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وان أزعجك استنكار ما يوعيه سمعك مما لم يبرهن على استحالته لك ، فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الامكان ، ما لم يذدك عنها قائم البرهان . ومنها قوله : " واكظم الغيظ " قد مدح الله تعالى ذلك فقال : ( والكاظمين الغيظ ) ( 1 ) ، وروى أن عبدا لموسى بن جعفر ( عليه السلام ) قدم إليه صحفة فيها طعام حار ، فعجل فصبها على رأسه ووجهه ، فغضب ، فقال له : والكاظمين الغيظ ، قال : قد كظمت ، قال : ( والعافين عن الناس ) قال : قد عفوت ، قال ( والله يحب المحسنين ) ( 1 ) ، قال : أنت حر لوجه الله ، وقد نحلتك ضيعتي الفلانية . ومنها قوله : " واحلم عند الغضب " ، هذه مناسبة الأولى ، وقد تقدم منا قول كثير في الحلم وفضله ، وكذلك القول في قوله ( عليه السلام ) : " وتجاوز عند القدرة " ، وكان يقال : القدرة تذهب الحفيظة .
--> ( 1 ) سورة آل عمران 134 .